حرب في كلمة لبنان أمام مؤتمر الإتصالات الدولي في كوريا

افتتح مؤتمر المندويبن المفوضين للإتصالات(PP-14) أعماله رسميا في مركز BEXCO للمؤتمرات والمعارض في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية في حضور رئيسة جمهورية كوريا الجنوبية بارك كون هيه ، وزير الإتصالات الكوري شويه يانغ هي، عمدة المدينة سوه بيونغ سو، الأمين العام للإتحاد الدولي للإتصالات حمدون توري بالإضافة إلى أكثر من 120 وزير اتصالات ووفود تمثل 193 دولة في العالم.

استهل الإفتتاح بكلمة لرئيسة كوريا الجنوبية شددت فيها على أهمية الإتصالات وتأثيرها في نقل العالم نحو الأفضل ليس فقط في مجال التكنولوجيا إنما في جميع نواحي الحياة وترقيتها، ولفتت إلى ماضي بلدها وتأثير تكنولوجيا الإتصالات في تطوير كوريا ورفعها إلى مصاف الدول المتطورة تكنولوجيا وعلميا.

وتحدث في الإفتتاح وزير الأتصالات الكوري والأمين العام للإتحاد حمدون توريه الذي عرج في كلمته على على ما تعانيه بعض دول العالم من أوبئة وخصوصا الإيبولا، وتمنى على أعضاء الإتحاد المساهمة في تخفيف ضرر هذا الوباء ومكافحته، كما كانت كلمة لعمدة المدينة الذي رحب بالمؤتمر في مدينة بوسان.

وخلال اليوم الأول من المؤتمر ألقى وزير الأتصالات اللبناني بطرس حرب كلمة لبنان، وجاء فيها:

أود في البداية أن أهنئ الاتحاد الدولي للاتصالات على نجاحاته المتواصلة في دعم قطاع الاتصالات وتقنيات المعلومات وعالم المعرفة وإقتصادياته، في مختلف دول العالم على القارات كافة،  ليتمكن كل مجتمع من توفير بنى تحتية للإتصالات تُحقق الشعار الذي طالما رفعه الإتحاد، وهو " التزام بتوصيل العالم".

إن هذا المؤتمر يأتي بدعوةٍ وبتنظيم من جمهورية كورية الجنوبية وبالتعاون مع "الاتحاد الدولي للاتصالات "ITU"، ويحضره أكثر من حوالي 2000 مشاركٍ من كبار صانعي سياسات الاتصالات وتقنية المعلومات وعالم المعرفة وإقتصاد المعرفة وشبكات التواصل في العالم، شاملا مندوبين حكوميين ووزراء وسفراء ومدراء لشركات ومؤسسات عملاقة، وكذلك شركات ومؤسسات متخصصة أصغر حجماً، وممثلين من القطاع الخاص بكل أطيافه، وممثلين عن المجتمع المدني والجمعيات الناشطة غير الحكومية، وتجمعات ناشطين على شبكات التواصل الإجتماعي،  إلى جانب منظمات رسمية وحكومية إقليمية ودولية. ما يدلل على أهمية هذا المؤتمر من جهة، وما يحتم تضافر جهود الجميع لإنجاحه من جهة أخرى، وما يجعل من الجميع مسؤولين أمام العالم كله عَن كل تقدّم، أو عدم تقدّم، في معالجة الموضوعات المطروحة من جهة ثالثة. فالقضايا كبيرة جداً، والمسؤوليات على مستوى هذه القضايا.

أيها السادة،

إن لبنان منذ أن أصبح عضواً في الاتحاد الدولي للاتصالات عام 1924 ، وعضواً في مجلسه في دورات مختلفة، وهو يسخر إمكانياته وخبراته البشرية لدعم أنشطة الإتحاد وإستضافة جزء منها، والمشاركة الفاعلة في محافله المختلفة. وذلك اقتناعاً منه بأهداف الاتحاد، ودعماً لاستمراره بوصفه الجهة الرسمية الرائدة، تحت مظلة الجمعية العمومية للأمم المتحدة، العاملة على تطوير وتحديث قطاع الاتصالات وتقنيات المعلومات وعالم المعرفة.

إن الحكومة اللبنانية الحالية أولت، وتولي، اهتماماً خاصاً لقطاع الاتصالات وتقنيات المعلومات ومجتمع المعلومات وعوالم المعرفة وشبكاتها وإقتصادياتها، وتعمل على تنمية كافة هذه المكونات لخدمة المجتمع والقطاعات التنموية الأخرى، نظراً للدور الفاعل والمؤثر في هذا الشأن؛ وانطلاقا من ذلك جاء سعي لبنان وتأكيده على ضرورة العمل الدؤوب لتعزيز التعاون والتضامن الإقليمي والدولي في هذا المجال الحيوي وتأييد كل جهد يبذل على هذا الصعيد.

أيها الحضور الكريم،

إن خدمات الإتصالات وتقنيات المعلومات وشبكات المعرفة وتناقلها باتت حاجة أساسية وماسة للتطور، ورافعة أساسية من رافعات النمو الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والعمراني والحضاري، ومكوناً أساسياً من مكونات الإنتاج على أنواعه، خاصة تلك المرتبطة باقتصاديات المعرفة وتداولها.

إن قطاع الإتصالات وتقنيات المعلومات والمعرفة لها دور محوري في التنمية الاقتصادية والبشرية، وهو يؤثر بقوة في خفض معدلات البطالة، وإنشاء فرص العمل، وزيادة في الدخل الفردي وفي الناتج الإجمالي المحلّي للدول. كما أنه يساهم في دعم خدمات البنية التحتية، وحصول الجميع على الخدمات الاجتماعية الأساسية وخاصة الصحة والتعليم، والحماية الاجتماعية والتنمية الثقافية وتشجيع عملية حماية الحقوق والحريات .

إن " عالم الاتصالات والمعلومات والمعرفة " بات يشكل في وقتنا الحالي سوقاً للإنتاج وللإقتصاد والعمل، سوقاً متكاملة الخصائص والمميزات، تقوم على تأمين خدمات اتصالات أساسية للمواطن، تلبي حاجاته، وتحاكي تطلعاته في استخدام أحدث التكنولوجيات، وتشكّل محفِّزاً أساسياً لإقتصاد المجتمعات والدول،  إذ أن جميع مفاصل الاقتصاد العالمي والمحلي، القائمة على إنتاج الخدمات، أصبحت مرتبطة بالاتصالات وبوسائل النفاذ إلى عالم الإتصالات وعالم الإنترنت. كما أنه أصبح من الثابت أنه لا يمكن للإقتصاد أن يتطور وينمو بفعالية دون الاستناد إلى خدمات الاتصالات الحديثة ذات النوعية العالية، وبأسعار قائمة على أساس الكلفة الفعلية للخدمة.

أيها السادة،

إني لا أذيع سراً إذا قلت أن خدمات الإتصالات والمعرفة ووسائل النفاذ والولوج إلى عالم الإتصالات وشبكات المعرفة، من الهاتف إلى الإنترنت، لم تعد جزءً من الكماليات أو الكفاية أو “luxe”  يمكن الإستغناء عنها أمام النقص أو العوز، بل إنها أصبحت من الضرورات في حياة الناس، كالحرية، وكالماء والهواء والكهرباء والطرقات. بل أقول أنها أصبحت حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، ذلك أن إمكانية التواصل والإتصال، وحرية التواصل والإتصال، هي من الحقوق الأساسية للإنسان.

وإنني أوكد على ضرورة التطرق أثناء فعاليات هذا المؤتمر إلى مسألة إعتبار الولوج إلى شبكات المعرفة و الوصول إلى خدمات الاتصالات حق للجميع دون تمييز، يضمن استخداماً متساوياً للتقنيات وتوظيفها في خدمة المجتمعات، ويسمح بالتوصل إلى سد الفجوة الرقمية بين الشعوب والمجتمعات والدول.

أيها السادة،

إن القضايا الأساسية، والتقليدية، التي دأب الاتحاد على معالجتها ومتابعتها ومسك زمامها، والعائدة لشؤون التنمية ، وشؤون تنسيق وإدارة الطيف الترددي بين دول العالم، وشؤون إدارة المواقع المدارية للأقمار الصناعية وتوزيعها بين مختلف المشغلين أصحاب الأهداف التجارية أو العلمية، وشؤون تكييف وتنسيق المواصفات والقياسات التقنية للخدمات ولأجهزة الإتصالات الصادرة عن المصنعين العالميين، كل هذه الأمور تبقى قضايا ذات أهمية عالية ومتجددة، وتبقى من قضايا الساعة، وتستدعي حتماً إستمرار الاتحاد في بذل كل جهدٍ وكل إرادة حسنة لمتابعتها ومعالجتها وإدارتها. ولا يجب أن يكون هناك أي ضعف أو تراجع من قبل الإتحاد أمام التصدي لها ولمعالجتها كما كان الأمر دوماً في الماضي والحاضر.

غير أن هناك قضايا أخرى مستجدة وحساسة تتطلب جهداً إضافياً خاصاً من الاتحاد، وتركيزاً مميزاً لحلها ومتابعتها وإبتكار الحلول المجدية لها، وذلك بالتنسيق مع مختلف الفرقاء والشركاء، دولاً كانوا أم أشخاصاً معنويين أو عاديين من المجتمع المدني. وأقصد تلك القضايا المرتبطة بـاستعمالات شبكات التواصل الإجتماعي، وإستعمالات محركات البحث وشبكات المعرفة، ومفاهيم شبكات ومجتمع المعرفة، وموضوعات الحريات والإنفتاح على مختلف التطبيقات، والمدخلات الحقوقية لإستعمالات شبكات المعرفة المرتبطة باحترام حقوق الإنسان، والتدابير الضرورية لحماية الأطفال من إستغلال التطبيقات الجنسية، ومساهمة ثورة شبكات المعرفة والإتصالات في تضييق الهوة الكامنة بين المرأة والرجل أمام فرص التعلم والتعليم والعمل والتحصيل، وشؤون التوازن بين دور الإتصالات في نشر مفاهيم الديمقراطية وممارسة الحريات وحقوق المواطنة والحرية مع إستقرار الأمن القومي وكيانات الدولة، والقضايا المرتبطة بالقواعد اللازمة لمنع الإنزلاق نحو التنصت على الأشخاص والقيادات ورؤساء الدول. إن حرصي على عرض هذه الإشكاليات أمام هذا المؤتمر الكريم، نابع من حرصي على ضرورة بذل كل جهد وكل عمل لإيجاد المعايير والسبل التي تضمن التوازن بين حجم تدفق المعلومات المتزايد من لحظة إلى أخرى ( Big Data)  والمرتبط بتفاصيل ودقائق حياة الأشخاص والمجتمعات والمؤسسات، وبين حماية الخصوصيات والحريات الشخصية لهولاء الأشخاص، وكذلك حماية الأمن القومي وكيانات الدول، والتوازن بين مطلب مجانية حركة تدفق المعلومات والمعرفة على شبكات الإتصالات والمعرفة وبين تأمين الأموال اللازمة بحدها الأدنى لضمان إستمرار هذه الشبكات وتطويرها وتوسيعها؛ والتوازن بين تحقيق مطلب الولوج إلى شبكات المعرفة باعتباره حق من حق الإنسان يدخل ضمن منطق ومفاهيم شرعة حقوق الإنسان وبين التوجه التجاري والربحي لشبكات المعرفة ووسائل النفاذ.

أيها السادة

إن هذه الإشكاليات الحادة والعديدة، التي ترتبط جميعها بقضايا ومسائل "حوكمة الإنترنت" وحوكمة "شبكات المعرفة" ( وأقول قصداً  "شبكات المعرفة" وليس "شبكات المعلومات")، باتت جميعها إشكاليات ملحة وضاغطة، وأصبح من الضروري أن يقوم الاتحاد بالإضطلاع بها والنظر فيها بشكل حاسم وجدي، تحت مظلة الأمم المتحدة بالتعاون والتنسيق الحثيث مع المنظمات الحكومية الأقليمية والهيئات والمؤسسات المتخصصة.

وتقوم وزارة الإتصالات اللبنانية، بالرغم من الظروف الاستثنائية الناتجة عن تدفق اكثر من مليون ومايتي الف نازح سوري الى لبنان، الذي يبلغ عدد سكانه 4 ملايين شخص فقط، ووجوب توفير حقوق التواصل لهم، يتابع توجهه في مواجهة التحديات المستجدة بالتنسيق مع الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ولا سيما مع اللجنة الإقتصادية والإجتماعية الدائمة لغرب آسيا (ESCWA)، باستضافة وتنظيم اللقاء الثالث للمنتدى العربي لحكومة الإنترنت في بيروت في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الثاني – نوفمبر 2014.

إن تحقيق الأهداف المرجوة من هذا المؤتمر تتطلب منا جميعًا الإسهام بالحد الأقصى من الإمكانيات،  والتحلي بنظرة بعيدة المدى ورؤية واضحة الأبعاد بالنسبة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات "وشبكات المعرفة" وبالدور الحيوي الهام الناتج عن ذلك في استدامة التنمية الاجتماعية بمختلف مكوناتها، كما تتطلب تصميما سياسيا منا جميعا لكي ننجح في أداء واجبنا تجاه مجتمعنا.

الوزارة في الصحافة