الوزير حرب دعا إلى عقد قمة عربية طارئة لحوكمة الانترنت                  انتخاب لبنان نائبا لرئيس المجلس التنفيذي في مجلس وزراء الإتصالات العرب

حرب دعا إلى عقد قمة عربية طارئة لحوكمة الانترنت

انعقدت الدورة العادية الثامنة عشر لمجلس وزراء الإتصالات والمعلومات في فندق "غراند نايل تاورز" في حضور الوفود الوزارية من مختلف الدول العربية، وقد غابت عنها سوريا بسبب عضويتها الموقوفة في جامعة الدول العربية.

وترأس وزير الإتصالات بطرس حرب وفد لبنان الذي ضم المدير العام للإستثمار والصيانة رئيس مجلس الإدارة المدير العام لهيئة أوجيرو الدكتور عبد المنعم يوسف ومدير عام البريد محمد اليوسف.

وتحدث في افتتاح الدورة الأمين العام المساعد للجامعة العربية الدكتور محمد التويجري قبل أن يعطي الكلام لرئيس الدورة السابقة الجمهورية العربية الجزائرية التي ترأس وفدها السفير نذير العرباوي.

وبعد كلمة العرباوي، أعطيت رئاسة الدورة لمصر التي تسلمها وزير الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات المهندس عاطف حلمي فألقى كلمة الإفتتاح قبل أن تبدأ أعمال الدورة والتي تضمنت بنودا سبعة ناقشها المجتمعون على مدى النهار، تتناول العمل العربي المشترك في مجال الإتصالات والمعلومات، منها بنوع خاص خطة التنمية الإقليمية للمنطقة العربية (2013- 2016) والمبادرة العربية لحوكمة الأنترنت ومشروع الربط الإقليمي لشبكات الأنترنت العربية ونتائج اجتماعات فرق العمل التابعة للجنة العربية الدائمة للبريد، بالإضافة إلى ما يتعلق بالتعاون العربي المشترك في مجال الإتصالات وتقنية المعلومات.

وكانت المقترحات التي تقدم بها الوزير حرب المحور الأساسي في أعمال الدورة خصوصاً المتعلقة بنمو وادارة وحوكمة شبكات الانترنت مما دفع بالوزراء العرب الى ترشيح لبنان لعضوية المكتب التنفيذي للمجلس وانتخابه بالتزكية والتمني عليه قبول نيابة رئاسة المجلس الى جانب المملكة العربية السعودية التي تترأسه.

وألقى الوزير حرب كلمة لبنان في الدورة، وجاء فيها:

خلال فترة زمنية لا تتعدى العقدَيْن ، وهي فترة قصيرة بالنسبة لحياه الشعوب والمجتمعات والمهل الزمنية الضرورية لتطور النماذج الإقتصادية والإنتاجية والعمرانية، إستطاعت شبكة الإنترنت العالمية، والخدمات التي تبحر خلالها، والدفق المعرفي والمعلوماتي والخدماتي، العابر ضمنها، والنتائج المتعددة الجوانب والإتجاهات، إستطاعت أن تصبح، على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي، وكذلك السياسي، واحدة من أهم البنى التحتية التنموية والعمرانية لمجتمعاتنا الحالية.. حيث أن هناك ما يقارب الثلآثة مليار إنسان يستخدم هذه الشبكة.

غير أنه، وللأسباب  عينها، تحولت هيكلية هذه الشبكة وهندستها وكيفية إنتشارها وتركيبها، وإدارتها وحوكمتها، إلى موضوع تجاذبات وخلافات بين مختلف الأفرقاء الإقتصاديين والصناعيين والمنتفعين بدأت، صامتة ودفينة، وانتهت إلى مستوى صراعات سياسية دولية علنية.

 كل ذلك على خلفية التحكم السياسي والإقتصادي بهذه الشبكة.

إن الأسرار والمعلومات الحساسة، التي كشفها السيد إدوارد سنودن للرأي العام العالمي خلال صيف 2013، حول إمتداد رقعة المراقبة والتنصت والتجسس التي تقوم بها إدارة الأمن القومي الأميركي (NSA)  على شبكة الإنترنت وعلى المعطيات العائدة لمستخدمي ومستعملي هذه الشبكة، وعلى مراسلاتهم الإلكترونية، وعلى معلوماتهم الشخصية، وعلى سرية مداولاتهم عبرها وعبر مواقع التواصل الإجتماعي، وعلى المعاملات المالية والتجارية التي يقومون بها، مع ما يمثله ذلك، عند ثبوته، من تعدٍ على خصوصيات الأفراد والمجتمعات والدول، شكلت زلزالاً وصدمة كبيرة أدت إلى إهتزاز ثقة المستخدمين وأصحاب المنفعة بالنموذج القائم لإدارة شبكة الإنترنت وبالمؤسسات والهيئات العاملة على إدارة هذه الشبكة، والتي تدور جميعها في فلك الإدارة الأميريكية، وخاصة مؤسسة الـ ICANN المرتبطة منذ العام 1998 بعقد عمل وإدارة مع وزارة التجارة الأميريكية، يرعاه ويحدد قواعده وأصوله القانون التجاري في ولاية كاليفورنيا.

لقد أثارت تصريحات وإفادات إدوارد سنودن مخاوف مشروعة لدى مستخدمي الإنترنت في دول العالم كافة.  ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه ليصل، لدى الصناعيين ومشغلي الخدمات وشركات التكامل الخدماتي والمستثمرين وأصحاب القرار والمسؤولين السياسيين لدى الدول، إلى مرحلة فقدان الثقة، والخوف على أمن المعطيات وحماية الحياة الخاصة العائدة لهم، ولمجتمعاتهم وشعوبهم، وإلى إتخاذ التدابير لحماية الأمن الإقتصادي والأمن القومي. وقد وصل الأمر، لدى بعض المسؤولين السياسيين والإقتصاديين في مراكز القرار في بعض الدول العظمى، إلى حد المطالبة بإعادة النظر بهيكلية شبكة الإنترنت وهندستها، وبالهيئات العاملة على إدارتها؛ وإلى التفكير جدياً بتغيير أسس حوكمة شبكة الإنترنت العالمية وإدارتها. وقد وصلت بعض ردات الفعل إلى حد مطالبة بعض رؤوساء الدول والحكومات والمجالس السياسية الإقليمية بضرورة وإلزامية إنشاء شبكات إنترنت إقليمية، منفردة مستقلة عن الشبكة العالمية (كطرح المستشارة الألمانية مركيل وروسيا...).

لقد أدت هذه التجاذبات، والصراعات إلى إنعدام الثقة، بين أصحاب المصلحة والمنفعة وأصحاب النفوذ، وإلى بروز مسارين متعارضين:

- مسار أول إلى أقصى اليمين، يقول بالثبات على الوضع القائم، والإبقاء على آليات ومنهجيات عمل الإدارة والحوكمة الحالية، المعتمدة بشكل رئيسي على الـ ICANN ، وعلى وظائف الوحدات المختصة المرتبطة بها والموجودة لدى وزارة التجارة الإميركية (لا سيما وظيفة الـ IANA).

- ومسار ثانٍ إلى أقصى اليسار، يقول بضرورة إنتقال إدارة وحوكمة الإنترنت إلى الحكومات وإلى الإدارات الرسمية العامة التي تمثلها. وينتقد أصحاب هذا المسار بشدة ما يصفونه بهيمنة المؤسسات الحالية (IAB,IETF,ICANN) على أعمال إدارة الإنترنت، ويعترضون على تفردها بذلك، وعدم إشراك الآخرين بشكل فعلي في هذه الأعمال.

في هذا المشهد المتشنج الذي يتجاذب الأفرقاء المعنيين بحوكمة الإنترنت، وتحوله إلى صراع يهدد، في حال إستمراره، مستقبل الإنترنت وتطوره ونموه وحياده وسلامته وإستقلاليته وأمنه وإستمرار تكامله وأحاديته،...، أرى أن المواجهة الحادة لا توصل إلى حل، بل تزيد الأمور تعقيداً، ولبنان لا يرى جدوى من الدخول في هذا الصراع. بل أنه يحرص على إعتماد الحوار البنّاء والمناقشة المبنية على النوايا الحسنة. وهو يدعم كل مقاربة ومبادرة تأني في سياق التشاور والحوار لايجاد المخارج والحلول. وهو ما ندعو مجلسكم الكريم المنعقد اليوم إلى تبنيه.

لقد تحسست الإدارة الأميركية إيجاباً حجم المشكلة وطبيعتها. وقامت بإعلان مبادرتها وقف العقد القائم بينها وبين الـ ICANN  خلال النصف الثاني من العام 2015. وبادرت إلى إطلاق مرحلة تحضيرية إنتقالية بهذا الشأن، معلنة نواياها بنقل وظيفة الـ IANA  إلى جهة مستقلة يقررها أصحاب المنفعة. كما أعلنت مؤسسة الـ ICANN أنها سوف تضع نفسها تحت طائلة المساءلة بكل انواعها. 

كل هذه الخطوات تشكل إشارات إيجابية، تسمح للمجتمع الدولي، صاحب المنفعة والمصلحة والحكومات، أن يلاقيها وبإيجابية. ومن هنا موقف لبنان الداعي لتقريب وجهات النظر وإيجاد الحلول وإتخاذ المبادرات الملموسة في هذا الشأن.

إن الطابع الإقتصادي والتجاري الذي يطبع تبادل المعرفة والمعطيات عبر هذه الشبكات، والتدخلات والمؤثرات الفعلية على نماذج عمل الناس وآدائهم، وعلى سلوكيات الأفراد والمجتمعات البشرية، وأثره على الدول والكيانات العائدة لها، وكذلك تخطيه للحدود الجغرافية والجمركية للدول دون أية حواجز أو عوائق أو رقابات، يجعل منه أيضاً عالماً سياسياً بامتياز.

إن من يسيطر على إدارة وعمل شبكة الإنترنت العالمية وأدواتها، إنما يسيطر بنظرنا على عدد كبير من مفاتيح النمو في العالم.

إن هذا الواقع يفرض على العالم العربي الممتد على كامل الوجهة الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط، وعلى كامل أراضي شبه الجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، أن يتنبه جدياً إلى هذا الأمر، وأن يستيقظ من ثباته في إدراك هذه المسألة وعمقها وأهميتها وأخطارها.

لقد ولى زمن  الوصايات الدولية، واستقلالنا وسيادتنا لا تقتصر على حقنا في تقرير مصيرنا في الأمور السياسية والاجتماعية وحسب، بل إننا أمام تحديات من نوع جديد يفرضها علينا التطور التكنولوجي. وخوفي أن يدخل العالم العربي وشعوبه في عصر الاستعمار الرقمي الجديد.

إن هذا الأمر يفرض علينا كما فرض على التجمعات الأقليمية الإقتصادية والعمرانية المشابهة في هذا المضمار، أن نحافظ على دورنا الاستراتيجي الفاعل وعلى حقوقنا السياسية والسيادية والاقتصادية والأمنية..

لقد انطلقت في الفترة الأخيرة العديد من المبادرات الدولية والإقليمية لمناقشة مستقبل إدارة حوكمة الإنترنت. وإننا نرى مبادرات للإتحاد الأوروبي، ومبادارت لمؤسسة الـ ICANN ، والبرازيل، وآخرى من الهند، وآخرى من المنتدى الإقتصادي العالمي،...، تهدف مبادرات، في النهاية إلى طرح حلول وتوجهات جديدة.

ولم يبق خارج هذا الحراك الاستراتيجي الاّ العالم العربي ودول القارة الأفريقية، وذلك بسبب عدم جهوزيتهم لطرح العروض ومناقشة الإقتراحات والمشاريع التي تضمن لهم موقعاً ودوراً  في دائرة حوكمة الإنترنت ينسجم مع حجم عالمهم وحجم أسواقهم.

 ودون الخوض في مدى فاعلية وصوابية هذه المبادرات من عدمها، أو إذا كنا متفقين أو مختلفين حولها يبقى أن النقطة الهامة في هذا السياق، هو غياب المجموعة العربية عن الساحة الدولية لهذه النقاشات والمبادرات خلال السنوات الأخيرة غياباً كاملاً ومؤسفاً. بل أكثر من ذلك، فلقد ظهرت، وبشكلٍ صريح، المجموعة العربية في كثير من الأحيان بشكل مفكك وغير متوازن.

إن الأهمية الكبرى التي يرتديها هذا الموضوع، والنتائج البالغة والإستراتيجية التي تترتب على وجهة وطبيعة المسار الذي يسلكه، ترشحه إلى تصدر أولى إهتماماتنا، وتجعل منه موضوعاً يستحق إهتمام المسؤولين السياسيين في الدول العربية، على أعلى المستويات.

من هذا المنطلق، وإرتكازاً على الدوافع الإستراتيجية التي ذكرتها أعلاه، وإستكمالاً للنقاش الغني والمفيد الذي دار أثناء إجتماعات اللجنة الدائمة للإتصالات في اليومَيْن السابقَيْن حول ورقة العمل التي قدمتها الإدارة اللبنانية بهذا الشأن، والحوارات الجانبية التي دارت على هامش هذه الإجتماعات، 

أدعو من هذا المنبر الهام، ومن هذه المدينة العزيزة، إلى إتخاذ مبادرةٍ هامة، نطلق عليها أسم "مبادرة القاهرة"، تقترح عقد قمة عربية إستثنائية للملوك والأمراء والرؤساء العرب، تعقد خلال الربع الأخير من العام المقبل 2015 ، أي قبل إنعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 2015، طبقاً للقرار 302/68 المتعلق باستعراض نتائج القمة العامة لمجتمع المعلومات، وخاصة ما يتعلق منها بحوكمة الإنترنت والتعاونية المعززة، قمة استثنائية تخصص حصراً لمناقشة موضوع إدارة حوكمة الإنترنت، وتنتهي باعتماد وثيقة موحدة يطلق عليها اسم "وثيقة القاهرة"، وتكون أساساً ومرتكزاً للدعوة إلى عقد قمة عالمية لحوكمة الإنترنت World Summit Internet Governance (WSIG) تكون منصة لمناقشة كامل المبادرات الدولية والإقليمية، ومكان حوار بين الحكومات كافة، وبينها وبين أصحاب المصلحة والمنفعة، على أن يسبق هذه القمة الإستثنائية تحضيرات وأعمال وإجتماعات وتدابير وإجراءات يحددها " إعلان القاهرة " ، الذي أقترحه على معاليكم.

إن هذه المبادرة تأتي بغية الحفاظ على دور العالم العربي في هذا الميدان المتطور، والتأكيد على قدرته على إتخاذ المبادرة الضرورية لضمان حماية حقوقه ومصالحه وأمنه، ولدرء أخطار التخلف التكنولوجي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي والمعرفي والأمني.

وإننا أيضاً، بقبول إقتراح إطلاق هذه المبادرة، والتوصل إلى عقد هذه القمة العربية الإستثنائية، نرسل من عالمنا العربي إلى بقية دول العالم إشارة هامة وواضحة تعكس مدى إهتمام عالمنا العربي بشؤون الإنترنت وقضاياه وإدارته وحوكمته.

كما تقدم حرب بمشروع اعلان القاهرة مرفقا بآلية عملانية لتطبيقه.

وبعد ختام مداخلة الوزير حرب أعلنت الوفود العربية بالإجماع تأييدها للمبادرة وقررت إحالتها إلى اللجنة المعنية لوضع آلية لتنفيذها تعرض على المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الإتصالات العرب لإجراء المقتضى لتنفيذها.

الوزارة في الصحافة